رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان (أرشيف)
رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان (أرشيف)
الأربعاء 20 أغسطس 2025 / 20:42

سلام القوقاز بين الواقع والاتهامات

يرى أنار جاهانغيرلي، مستشار في جامعة كاراباخ في مدينة خانكندي، أذربيجان، أن عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان لا يجب أن تختزل في خطاب "لوم طرف وتبرئة آخر"، بل في السعي لبناء مستقبل مشترك قائم على العدالة والتوازن.

وأكد الكاتب في مقاله " تجاوز دائرة اللوم في عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان" بممجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية أنّ اتفاق البيت الأبيض الأخير مثّل خطوة مهمة لإنهاء صراع استمر عقوداً، لكنه لا يزال محفوفاً بتحديات واقعية تتطلب شجاعة سياسية وتنازلات متبادلة.

اتفاق البيت الأبيض

وقال الكاتب إن اللقاء بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أغسطس (آب) ، أسفر عن بيان مشترك من سبع نقاط. وأضاف الكاتب أنّ أبرز بنود الإعلان تمثلت في الاعتراف المتبادل بالسيادة الوطنية، ورفض استخدام القوة لفرض وقائع جديدة، فضلاً عن إنشاء ممر  برعاية أميركية عبر الأراضي الأرمنية يصل إلى جيب ناخيتشيفان الأذري في أرمينيا.  

وتابع جاهانغيرلي موضحاً أن هذه البنود تحمل دلالات اقتصادية واجتماعية تتجاوز الطابع الدبلوماسي البحت، إذ تمنح المجتمعات المحلية أملاً في عودة الحركة التجارية والإنمائية بعد سنوات من العزلة.

انتقادات 

وأشار الكاتب إلى أنّ الاتفاق لم يسلم من انتقادات، خاصةً من محللين مثل ستيفان بيتشديمالجي الذي وصفه بـ "رمزي بلا مضمون". وأوضح أن هذه الرؤية تغفل أن أرمينيا احتلت لعقود أراض أذرية معترفاً بها دولياً، ما أدى إلى تهجير مئات آلاف المدنيين.  وأضاف الكاتب أنّ مجلس الأمن الدولي نفسه أصدر قرارات في 1993 تطالب يريفان بالانسحاب، غير أن الأخيرة تصرفت وكأنها صاحبة السيادة الفعلية على تلك المناطق، وهو ما اعتبرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شكلاً من أشكال "السيطرة الحقيقية".

 حربا 2020 و2023

أوضح الكاتب أن المفاوضات الجدية لم تبدأ إلا بعد حرب 2020 حين استعادت باكو السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها.  وأشار إلى أن أذربيجان عرضت حينها على الأرمن في قره باغ الجنسية الأذربية، وضمانات لحقوقهم الثقافية، والدينية، إلا أن معظم هذه العروض قوبل بالرفض.  وأضاف أنّ عملية عسكرية لاحقة في سبتمبر (أيلول) 2023 أنهت وجود الكيان الانفصالي، وأسفرت عن خروج غالبية السكان الأرمن من الإقليم. 

وأكد الكاتب أنّ الادعاءات بـ "التطهير العرقي" تفتقر إلى الأدلة، مشيراً إلى أنّ باكو شددت مراراً على استعدادها لدمج الأرمن ضمن المجتمع الأذري.

الأسرى والتراث الثقافي

وتطرق الكاتب إلى ملف الأسرى قائلاً إن باكو أعادت جميع أسرى الحرب عقب اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، موضحاً أن المحتجزين حالياً ليسوا أسرى حرب، بل سياسيون وعسكريون من الإدارة الانفصالية السابقة، ويخضعون لمحاكمات علنية.  وأضاف جاهانغيرلي أنّ موضوع التراث الثقافي لا يزال موضع خلاف، إذ يحذر الأرمن من تهديد الكنائس، والمعالم، بينما تصر باكو على أنّ كثيراً من تلك المواقع من التراث الألباني القوقازي، مؤكدة التزامها بحماية المعالم التاريخية الأصيلة.

قضايا عالقة

ولفت الكاتب إلى أن هناك قضايا لم تُحسم بعد، مثل إنهاء دور مجموعة مينسك بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وفتح الممر البري إلى ناخيتشيفان، إضافة إلى تعديل الدستور الأرمني لإلغاء ما تعتبره باكو، بنوداً غير مقبولة. وأوضح  أن الرئيس علييف أكد بعد القمة أنّ "السلام المستدام بات حقيقة ملموسة في منطقتنا".

نحو سلام متوازن

وختم الكاتب مقاله بتأكيد أن السلام لا يُبنى على خطاب الضحية والجاني الأوحد، بل على الاعتراف المتبادل بمعاناة الشعبين، مضيفاً أنّ المطلوب هو رفع الحصار، وفتح الطرق، وصون التراث الثقافي، وصولاً إلى توقيع معاهدة سلام نهائية. وتابع أن القوى الدولية مطالبة بالتعامل مع شعوب المنطقة باعتبارهم شركاءً يستحقون الأمن والكرامة، لا مجرد أدوات في لعبة جيوسياسية.

وخلص الكاتب إلى أن تجاوز دائرة اللوم هو الطريق الأوحد لإحلال سلام حقيقي بين أرمينيا وأذربيجان، وأن تحقيق الاستقرار الدائم مرهون بالاعتراف المتبادل بأخطاء الماضي، واتخاذ خطوات عملية لبناء مستقبل مشترك يقوم على العدالة والاحترام المتبادل.