الثلاثاء 23 سبتمبر 2025 / 10:17

الحاجة إلى توظيف التراث بدون تعصُّب

كثيراً ما تصبح الحقائق المطلقة في حالة تداخل مع وجهات النظر الشخصية، فخُدَّام الحقيقة ومن يسعون إليها نادرون، وأما من يجحدها ويشوّهها ويتكسب على حسابها فهم كثر. والتاريخ بحاجة إلى أمانة متناهية لا يتقنها إلا المؤرخون والباحثون والمخلصون، يراعون فوارق الزمان والمكان والأحوال، ويتلاءمون مع راسخ الإسلام.

وتتطلَّب حكمة الحقيقة أن نفهم الأحداث التاريخية كما هي، ونكون منصفين في تحليلها، وربط الأسباب بالنتائج، والمقارنة والتمييز بين الحقائق وآراء الآخرين، وإصدار الأحكام بناءً على الشواهد والمعطيات المتوافرة.

الاستبداد الديني ليس لوناً واحداً، بل هو على مستويات، وكل نوع من أنواعه له ضحايا، يغالون في فهم النصوص فوق القدر الشرعي المأمول، ويبحثون في التراث الإسلامي لتبرير أو تسويغ أمر المستبد المتطرف، أو لإسقاط تاريخ بعينه وتطويعه بالانبهار والتفخيم. هناك نماذج من المتطرفين تنقسم إلى ثلاث فئات أصدرت أحكامها الجائرة على معطيات التاريخ برمَّته، فالمناخ الذي نحياه فرصة ثمينة لهم لتسويق التعصب والكراهية، وهم كالتالي:

هناك آراء داعش وأخواتها ومن يدور في فلكها، التي تركز على زوايا تاريخية تحتفي بإهدار الدم، وأغلبها مليء بالقلاقل والفتن والاضطرابات لتصبح مرجعية تبرر بها كل جرائمها النكراء. وكل من فتّن بعضهم ببعض بأفكاره الفاسدة والمتطرفة فأشاع العداوة والبغضاء، نشر وسائله البدائية القتالية من الذبح والنحر والحرق.

هناك أيضاً الراغبون في نوعية من التاريخ يحمل بين جنباته التكامل والعدالة واحترام الحقوق والديمقراطية بما يتوافق مع معايير زماننا وتحضرنا، يتميز برؤية تنويرية واضحة، وثوابته الأخلاقية تتوافق مع المفهوم المعاصر والمتعارف عليه. قطعاً هذا لا يتوافق عموماً مع السيرورة التاريخية.

وهناك فئة أخرى ترغب في هدم كل ما في التاريخ من رموز وأعلام وشخصيات إلى درجة الجحود ونكران كل ما في هذا الميراث الروحي والمعنوي من إضافات وإنجازات تستحق الإشادة، لمجرد وجود جوانب مظلمة في مرحلة من المراحل. وها هو تاريخنا تتعاقبه الاضطرابات والثورات والقتل والتدمير، ونحيا في عصر الفضاء والحريات والنور واحترام حقوق الإنسان.

كما أن هناك المؤيدين الذين يقبلون بكل ما في التراث من خير وشر، أو ظلمات ونور، دون النظر لمرحلة معينة، ويأخذون كل شيء جملة وتفصيلاً، مع تقدير مراحله واحترام سياقاته الزمنية، وإيراد كل المبررات في كل الزوايا المظلمة، مع إظهار الجوانب الأكثر إشراقاً وتحضراً.

التاريخ عموماً سنن كونية، والأيام دول. وأياً كان نوع التاريخ، فالحاجة الملحة هي تقليب صفحات التاريخ المضيء، والأخذ بعين الاعتبار جميع المكونات التراثية ذات الثقل المعنوي والقيمي والحضاري، كالهويَّة المتفردة والإرث التاريخي الناصع الدال على مكامن الانفتاح الثقافي والمرونة الفكرية والتسامح الإنساني، وإيجاد الحلول للتحديات الكبرى، بإظهار انتصارات التاريخ ضد الظلم والبغي، ونجاحاته في مقارعة الفتن والفوضى، وتعرية الزيف والخداع في كل حقبة، وصناعة الموروث مادة دسمة من أجل التنوير، وتفنيد حقب التاريخ جميعها لتكون خالية من الشوائب أو الزيادات أو التضخيم لفترة دون غيرها، أو إعطاء حقبة أكثر من حجمها لكونها تحمل دلالات خاصة أو مغزى يحمل مآرب أخرى.

إننا بحاجة إلى التفكير من جديد، وإلى ولادة جديدة من رحم التاريخ، وإلى توظيف هذا التراث بقطف ثماره اليانعة بدون تعصّب، لكي نغير أنفسنا. كما قال مالك بن نبي: "إنها لشرعة السماء: غَيِّر نفسك تغيِّر التاريخ!".