(رويترز)
(رويترز)
الخميس 2 أكتوبر 2025 / 19:44

كيف غيّرت وسائل التواصل رأي الأمريكيين حول حرب غزة؟

بعد ما يقارب عامين على اندلاع الصراع بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، باتت وسائل التواصل الاجتماعي توثّق بشكل متزايد الكلفة اليومية للحرب في القطاع، في وقت يشهد فيه الرأي العام الأمريكي تحوّلاً لافتاً تجاه الحرب، بحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير.

وتقول الصحيفة إن صور الفلسطينيين في غزة وهم يفرّون من الغارات الجوية الإسرائيلية، وينبشون بين ركام المباني المنهارة بحثاً عن أحبائهم، ويتأملون أنقاض مدنهم، غزت منصّات التواصل الاجتماعي للأمريكيين على مدى نحو عامين.

تحول رقمي مثير

لكن في الأشهر الأخيرة، ومع تفاقم معاناة عدد متزايد من الغزيين جراء الجوع، ظهرت على منصّات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"إكس" المزيد من المقاطع المصوّرة لأطفال هزلى يستجدون الطعام ويبحثون عن مياه نظيفة، مانحين المتابعين لمحة عن الأثر الكارثي المتواصل للحرب.

هذا التحوّل في المحتوى الرقمي تزامن مع تغيّر في نظرة الأمريكيين تجاه إسرائيل. فقد كشف استطلاع أجرته صحيفة نيويورك تايمز وجامعة سيينا هذا الأسبوع، أنّ غالبية الأمريكيين باتوا للمرة الأولى منذ بدء طرح هذا السؤال عام 1998، يبدون تعاطفاً أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين.

وأوضح الاستطلاع أن هذا التراجع في دعم الحرب يعود أساساً إلى الانخفاض الحاد في تأييد الناخبين الديمقراطيين لإسرائيل، في حين ظلّ الناخبون الجمهوريون متمسكين بدعمهم لها، وإن مع تسجيل تراجع طفيف.

ويرى خبراء الإنترنت أنّ عوامل عدة أسهمت في هذا التحوّل، لكن لوسائل التواصل دوراً محورياً، إذ تحوّل الصراع في غزة إلى مادة أساسية للنقاش في المجتمعات الرقمية.

وقال إيمرسون بروكينغ، مدير الاستراتيجية في مختبر الأبحاث الجنائية الرقمية التابع للمجلس الأطلسي: "الموقف الرسمي لإسرائيل بوصفها دولة أُجبرت على خوض حرب دفاعية وتبذل كل جهد لتقليل الخسائر المدنية يتآكل يوماً بعد يوم بفعل الأدلة الموثّقة المتدفقة عبر الإنترنت".

حرب الشاشات

ويرى التقرير أن الحروب الحديثة أصبحت تُدار بشكل متزايد على منصّات التواصل. فمن أوكرانيا إلى ميانمار والسودان، عمد السكان إلى تصوير ونشر مقاطع من مناطق النزاع على الشبكة. أما في غزة، فقد امتدّت هذه الرواية المصوّرة لفترة طويلة، ترافقها موجات متقطّعة من العنف عبر السنوات.

ودفع ذلك الإسرائيليين والفلسطينيين إلى خوض معركة موازية على وسائل التواصل، سعياً لكسب الرأي العام العالمي. وبلغت هذه المعركة الرقمية ذروتها بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين شنّ مقاتلو حماس هجمات عبر الحدود من غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي وخطف ما لا يقل عن 250 آخرين، وهو ما فجّر الحرب.

على الإنترنت، أطلقت إسرائيل حملات تستهدف كسب تأييد مشرّعين سود وديمقراطيين عبر حسابات وهمية تدافع عن مواقف مؤيّدة لها.

في المقابل، بثّ مقاتلو "حماس" مقاطع لهجمات السابع من أكتوبر، كما استولوا على حسابات بعض الرهائن الإسرائيليين على وسائل التواصل لنشر الرعب.

في الأشهر الأولى التي تلت هجمات أكتوبر، أظهرت استطلاعات "نيويورك تايمز" أنّ الرأي العام الأمريكي مال بشكل واسع إلى جانب إسرائيل، إذ عبّر 47% عن تأييدهم للإسرائيليين مقابل 20% فقط مع الفلسطينيين.

لكن لاحقاً، لجأ كثير من الفلسطينيين إلى "إنستغرام" و"تيك توك" لسرد قصصهم بأنفسهم، فيما نشر مصوّرون صحفيون في غزة صوراً ومقاطع تُظهر آثار الغارات الجوية الإسرائيلية.

رواية الغزيين رغم المخاطر

وأصبحت رواية الأحداث في غزة أكثر صعوبة مع مقتل عشرات الصحفيين ونزوح السكان، لكن شبكة من المصورين الفلسطينيين تواصل النشر يومياً على حساباتهم.

من بينهم وسام نصّار، المصوّر المقيم في غزة، ومعتز عزايزة، الذي فرّ من القطاع العام الماضي لكنه يواصل نشر صور يرسلها له أقاربه وأصدقاؤه. وكلاهما يحظى بمتابعة واسعة على "إنستغرام".

ويوم الثلاثاء، نشر نصّار وعزايزة عبر حسابيهما على "إنستغرام" رسائل نعي للمصوّر الفلسطيني يحيى برزق، المعروف بصوره للأطفال حديثي الولادة، بعد أن قُتل في غارة إسرائيلية استهدفت مقهى في غزة.

ولم يستجب نصّار وعزايزة لطلبات التعليق.

ويحظى "إنستغرام" و"تيك توك" بشعبية كبيرة بين الشباب الأمريكيين، الذين أظهر الاستطلاع أنهم الأكثر رفضاً لتقديم مساعدات اقتصادية أو عسكرية إضافية لإسرائيل.

واتهم بعض المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين "تيك توك" بالتعمّد في ترويج محتوى مؤيد للفلسطينيين، لكن التطبيق نفى ذلك مؤكداً حياده واتباعه سياسات لمكافحة المحتوى المعادي للسامية.

في المقابل، يرى بروكينغ من المجلس الأطلسي أنّ محاولات إسرائيل للوصول إلى الجمهور الرقمي باءت بالفشل، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية بدت وكأنها "تتخلى عن فكرة الإقناع تماماً"، مفضّلةً استهداف أبراج الاتصالات والإنترنت في غزة لإسكات أصوات الفلسطينيين.

حملات تأثير وصور مزيّفة

وازداد تعقيد تشكيل المواقف تجاه الحرب مع انتشار حملات تأثير منظمة، واستخدام صور مُولدة بالذكاء الاصطناعي، وحسابات آلية (بوتات) تبث محتوى موجهاً منحازاً.

وقالت إيمي سبيتالنيك، الرئيسة التنفيذية للمجلس اليهودي للشؤون العامة: "هناك رابط مباشر بين تصاعد الاستقطاب في قضايا مثل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والطريقة التي يجري تعزيزها مراراً عبر نظريات المؤامرة على وسائل التواصل".

والأسبوع الماضي، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن قوة وسائل التواصل في الحرب. ففي لقاء مع مؤثّرين أمريكيين في القنصلية الإسرائيلية العامة بنيويورك، وصف المنصات الرقمية بأنها "أهم سلاح" تمتلكه إسرائيل "لتأمين قاعدة دعمها في الولايات المتحدة"، بحسب مقطع نشرته المؤثرة ديبرا ليا التي حضرت اللقاء.

كما اتهم نتانياهو منظمات غير حكومية وجهات أخرى بالسعي المتعمد لنشر رسائل "معادية لإسرائيل ومعادية للسامية" بين الأمريكيين عبر هذه المنصات. واعتبر أن "تيك توك" هو الأداة الأهم للتأثير على الرأي العام، يليه "إكس".

ولم يرد مكتب نتانياهو على طلب للتعليق.

الرأي العام الأمريكي يتغيّر

بحسب استطلاع "نيويورك تايمز" و"سيينا"، فإن 34% من الأمريكيين أبدوا تعاطفاً أكبر مع الإسرائيليين، بينما أعرب 35% عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، فيما قال 31% إنهم إمّا غير متأكدين أو يقفون على مسافة واحدة من الطرفين.

كما أظهر الاستطلاع أنّ غالبية الناخبين الأمريكيين باتوا يعارضون إرسال مساعدات اقتصادية أو عسكرية إضافية لإسرائيل، وهو انقلاب كبير في الموقف منذ هجمات السابع من أكتوبر.

وبين الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، عارض نحو سبعة من كل عشرة هذه المساعدات، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي.