عالم الآثار المصري خالد العناني (أرشيف)
عالم الآثار المصري خالد العناني (أرشيف)
الجمعة 14 نوفمبر 2025 / 15:48

تقارير فرنسية: خالد العناني على رأس اليونسكو يمثل مُنعطفاً ثقافياً وسياسياً مُهمّاً

رأت صحيفة "لا كروا" في تحليل مُطوّل، أنّ اختيار عالم الآثار المصري خالد العناني مديراً عاماً لمنظمة اليونسكو يُمثّل مُنعطفاً ثقافياً وسياسياً مُهمّاً في تاريخها، ليس فقط لكونه أول عربي يتولى المنصب منذ تأسيسها عام 1945، بل لأنّه يأتي في مرحلة تُواجه فيها اليونسكو تحدّيات غير مسبوقة تُهدد فلسفتها الأصلية القائمة على "التضامن الفكري والإنساني بين الشعوب".

تُشير اليومية الفرنسية إلى أنّ اختيار العناني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بعد تصويت كاسح من أعضاء المجلس التنفيذي للمُنظّمة الدولية، يعكس إجماعاً دولياً نادراً في زمن يسوده التراجع عن التعددية وتزايد الانقسامات الجيوسياسية. فخلف هذا الاختيار، كما تقول، تكمن رسالة مزدوجة: التأكيد على الدور المحوري للثقافة والتعليم كجسر بين الأمم، والاعتراف بمكانة العالم العربي، ومصر تحديداً، في صون التراث الإنساني.

بين الدبلوماسية والإصلاح

وترى "لا كروا" أنّ العناني، بخلفيته الأكاديمية في علم المصريات وتجربته الوزارية، يجمع بين العُمق الثقافي والحنكة الإدارية، وهما عنصران تحتاجهما اليونسكو اليوم بشدّة في ظلّ أزماتها التمويلية والسياسية. وتنقل عن عالمة المصريات والأستاذة في مدرسة اللوفر بنديكت لوييه قولها "إنّه شخصية على قدر كبير من الأهمية. أهّلته مكانته العلمية الرفيعة للانضمام إلى العديد من الجمعيات الأكاديمية المرموقة".

فالمؤسسة التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية لتكون صوت الضمير الإنساني تُعاني منذ سنوات من غياب أحد أبرز مموليها، الولايات المتحدة، ومن تراجع ثقة بعض الدول الأعضاء بجدواها. ومن هنا، فإنّ التحدّي الأكبر أمام المدير العام الجديد ليس في حماية المواقع الأثرية أو إدارة البرامج التعليمية فحسب، بل في إعادة تعريف دور اليونسكو في عالم بات يميل إلى العزلة الثقافية والانقسام السياسي.

ويُشير تحليل الصحيفة إلى أنّ العناني، الذي بات يُمثّل الدول الأعضاء الـ 194، وليس بلده وحسب، يُدرك هذا البُعد تماماً، وهو ما يُفسّر شعاره "يونسكو من أجل الشعوب"، الذي يُعبّر عن نزعة إنسانية وتشاركية تتجاوز الصورة البيروقراطية التي التصقت بالمؤسسة في العقود الأخيرة.

رمزية عربية في قلب مؤسسة عالمية

تولّي شخصية عربية قادمة من القاهرة إلى العاصمة الفرنسية لقيادة اليونسكو يحمل، بحسب "لا كروا"، رمزية مُضاعفة في زمن يشهد تصاعد التوترات الثقافية والدينية وسوء الفهم بين الشرق والغرب. فمصر، بوصفها مهداً للحضارة القديمة ومركزاً ثقافياً عربياً وإفريقياً، تُمثّل موقعاً رمزياً يُمكن أن يُعيد التوازن إلى الخطاب الثقافي الدولي الذي ظلّ لعقود مُتمركزاً حول الغرب.

وترى الصحيفة الفرنسية أنّ العناني، القادم من خلفية علمية لا سياسية، يتمتع بقدرة على إحياء الحوار الثقافي العالمي دون الاصطفاف في محاور أو أجندات ضيقة. فخبرته في التعامل مع التراث المصري، الذي يجمع في داخله تأثيرات فرعونية ويونانية ورومانية وإسلامية، تمنحه رؤية شمولية قادرة على تمثيل التنوّع الإنساني الذي تتبنّاه اليونسكو كمبدأ لتأسيسها.

ما بعد الرمزية: اختبار القيادة

لكنّ "لا كروا" تُحذّر في الوقت نفسه من أنّ الرمزية وحدها لا تكفي. فالعناني يُواجه مؤسسة ضخمة تضم أكثر من 2500 موظف، وتُعاني من انتقادات مُتكررة تتعلق بالبيروقراطية وضعف الكفاءة. لذا فإنّ التحدّي الحقيقي يكمن في تحويل المنظمة من جهاز إداري مُثقل بالتقارير إلى كيان مُؤثّر في السياسات الثقافية والتعليمية العالمية.

كما يتعيّن عليه التعامل بمرونة مع القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين، لإعادة بناء الثقة، وفي الوقت نفسه تنويع مصادر التمويل عبر شراكات جديدة دون التفريط باستقلالية القرار الثقافي. وتصف الصحيفة هذه المهمة بأنّها "موازنة دقيقة بين الدبلوماسية والثقافة".

ليس مُجرّد فوز شخصي أو وطني

وفي ختام تحليلها، اعتبرت "لا كروا" أنّ اختيار خالد العناني لقيادة اليونسكو ليس مُجرّد فوز شخصي أو وطني، بل يُمثّل إعادة تموضع للثقافة العربية داخل المنظومة الدولية. فبينما تتراجع اللغة المُشتركة بين الأمم، يأتي تعيين عالم آثار مصري على رأس منظمة عالمية ليُذكّر، بأنّ الثقافة ليست ترفاً، بل وسيلة لصون السلام العالمي.

"إنّه اختيار يُعبّر عن الثقة في قُدرة الجنوب على المُساهمة في إعادة تعريف التعددية الثقافية"، تختم الصحيفة، مُشيرة إلى أنّ التحدّي الحقيقي أمام العناني الآن هو أن يجعل من اليونسكو "بيتاً مفتوحاً لكلّ الحضارات، لا متحفاً للحنين إلى الماضي".

وزارة الخارجية الفرنسية رحّبت بانتخاب الدكتور خالد العناني مديراً عاماً لليونسكو، مؤكدة دعمها الكامل له في مهامه الجديدة. وأشادت بخبرته في التراث والتعاون الثقافي والحوار بين الشعوب، مُعتبرة أنّ قيادته تُمثّل رصيداً ثميناً للمُنظمة في مرحلة دولية مُعقّدة. واعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أنّ اختياره فرصة لتعزيز التعليم والثقافة والعلم وتجديد التعددية الثقافية عالمياً.