الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
الخميس 18 ديسمبر 2025 / 12:56
لا يمكن قراءة المشهد السوري الجديد من زاوية الانتصار العسكري وحده، بل من خلال التحوّل الأيديولوجي العميق الذي قادته "هيئة تحرير الشام"، التي أعلنت حلّ نفسها قبل نحو عام، وبلغ ذروته مع انتقالها من حركة متطرفة عابرة للحدود، إلى سلطة تسعى لإدارة دولة.
وهذا التحوّل، وفق الباحث الفرنسي باتريك هيني، مؤلف كتاب "تحوّل بفعل الناس.. طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا"، لا يستند إلى مراجعات فقهية أو اعتدال ديني، بل إلى إعادة ترتيب جذرية لأولويات السياسة والقوة. فبعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا مرحلة انتقالية معقّدة لا تقلّ صعوبة عن سنوات الحرب، فيما وجد أحمد الشرع نفسه على رأس دولة منهكة ومجتمع شديد التصدّع.
خطر إعادة إنتاج الصراع
وقدم هيني، المتخصص في الحركات الإسلامية المسلّحة وشؤون الإسلام السياسي في أوروبا والعالم العربي، لصحيفة "ليبراسيون" قراءة معمّقة لطبيعة السلطة الجديدة وتحدّياتها.
ويرى أن التجربة السورية تمثّل حالة نادرة لسلطة منبثقة من بيئة إسلامية راديكالية نجحت في فرض نفسها من دون تفجير إقليمي واسع، غير أن هذا النجاح الخارجي لا يضمن استقراراً داخلياً. فغياب مشروع وطني جامع، وتأخر بناء مؤسسات محايدة، واستمرار إدارة التعدد بمنطق الغلبة، قد يعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
ويحذّر الباحث في معهد الجامعة الأوروبية بإيطاليا، وعضو المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، من أن التحول الأيديولوجي في سوريا لم يُنهِ الراديكالية، بل أعاد تشكيلها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تجاوز الجهادية، بل في منع راديكالية الأغلبية من التحوّل إلى عائق أمام بناء دولة قابلة للحياة.
السياسة قبل العقيدة
وانتمى أحمد الشرع إلى بيئة جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وسبق أن وصل إلى سوريا موفداً من أبوبكر البغدادي الزعيم السابق لتنظيم داعش الإرهابي. غير أن مسيرته سرعان ما ابتعدت عن منطق الجهاد العالمي. فالخلاف كان بنيوياً لا تقنياً، إذ رفض مفهوم "العدو الخارجي البعيد"، وركز على خصم سياسي محدد هو النظام السوري، كما نبذ المقاربة الطائفية التي اعتمدها تنظيم داعش، مفضّلاً إطاراً سياسياً للصراع.
وهذا الخيار لم يكن تعبيراً عن اعتدال، بل قرار سياسي داخل حقل راديكالي عنيف. فقد دخلت جبهة النصرة في صدامات دموية مع داعش، ثم ارتبطت بتنظيم القاعدة عام 2013 لتعزيز شرعيتها التعبوية، قبل أن تفك هذا الارتباط لاحقاً لتوسيع تحالفاتها المحلية لتتجسّد في هيئة تحرير الشام عام 2017. وفي كلّ محطة، كانت الحسابات السياسية هي المحرّك الأساسي.
تفكيك الجهادية من الداخل
ويشدد هيني على أن ما يُوصَف بـ "تدرّج الاعتدال"، هو في جوهره عملية تفكيك تدريجي للبنية الجهادية الصلبة. فالمرجعيات الفكرية لم تتغير دفعة واحدة، بل أُعيد ضبطها بما يخدم متطلبات السيطرة والاستمرار. ورافقت ذلك عمليات إقصاء داخلية أضعفت التيارات الأكثر تشدداً، وأنتجت توازناً داخلياً يميل لصالح قيادة أكثر براغماتية.
وتزامن هذا المسار مع متغيرات خارجية، من بينها تراجع الجاذبية الدولية للجهاد في سوريا، وتشديد الضغوط الدولية، وتقدّم أعمار الجيل الجهادي الأول. فجزء منه انخرط في البيروقراطية ومؤسسات الحكم، فيما فضّل آخرون الاستقرار الاجتماعي. وفي المقابل، اختارت فصائل أجنبية، مثل الإيغور، الاصطفاف مع السلطة الجديدة بدوافع سياسية أكثر منها عقائدية.
من تنظيم إلى سلطة
ووضع الانتقال من تنظيم مسلح إلى سلطة حكّام، القيادة الجديدة أمام معضلة مختلفة، تمثّلت في إدارة دولة بموارد بشرية محدودة وخبرة مؤسساتية ضعيفة. ولم يكن الخيار إقامة دولة تنظيمية خالصة، ولا الانفتاح السياسي الكامل، بل صيغة هجينة تقوم على الإشراف السياسي غير المباشر.
وفي هذا السياق، جرى تعيين ما يمكن تسميتهم "مفوضين سياسيين" للإشراف على مؤسسات الدولة وضمان ولائها، من دون تحمّل كامل أعباء الإدارة. وتعكس هذه المقاربة خوفاً من فقدان السيطرة في مرحلة انتقالية غير مستقرة، لكنّها في الوقت نفسه تعيق بناء مؤسسات مستقلة وقادرة على العمل الذاتي.

راديكالية الهوية
وإلى جانب المسار الرسمي، تشكّل نمط موازٍ لانتقال السلطة يقوم على الشبكات الشخصية والعائلية والأيديولوجية. فالسلطة لا تُنقل فقط بقرارات فوقية، بل عبر علاقات القرب والثقة. وقد سمح هذا النموذج بتوسيع قاعدة الحكم، لكنه أثار أيضاً شعوراً بالإقصاء لدى شرائح اجتماعية واسعة، ما فتح الباب أمام اتهامات بالمحسوبية واحتكار النصر.
ويُشير هيني إلى أن أبرز سمات المرحلة الراهنة هو تراجع السلفية الجهادية الكلاسيكية، مقابل صعود راديكالية أكثر سيولة وارتباطاً بالهوية ومنطق الغلبة. هذه الراديكالية ليست مشروعاً أيديولوجياً متماسكاً، بل ردّ فعل يتغذى على إرث الحرب والانتصار، ويتجلّى في هيمنة إسلامية واضحة على مؤسسات الدولة، وخطاب ذي توجّهات مذهبية، وتوترات متكررة مع الأقليات، خصوصاً في المناطق المختلطة.
تحدّي الداخل
وبعد تحييد التيارات الجهادية الأكثر تطرّفاً، تواجه القيادة الجديدة تحدياً غير متوقع، راديكالية تنبع من قلب الأغلبية نفسها، ما يعيد إنتاج مسألة الأقليات. لكن يتوجّب الاعتراف أن السلطات الجديدة حققت إنجازاً لافتاً بفرض حكم جديد من دون إثارة ثورة مضادة، وبالعودة التدريجية إلى الساحة الدولية عبر تنويع التحالفات، بما في ذلك مع الصين وروسيا. وتمّت ترجمة ذلك إلى مكاسب سياسية، من بينها إلغاء تصنيفات الإرهاب، ورفع العقوبات، وفتح باب الاستثمارات.
غير أن التحدي الأكبر، بحسب الباحث الفرنسي، يبقى داخلياً: إعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط السيطرة على كامل الأراضي. وهنا تبرز بشكل خاص أهمية المفاوضات مع الأكراد، التي قد تمهّد لتعايش مستدام، أو تعيد إشعال دوامة الصراع، فضباب الحرب لم ينقشع تماماً بعد.