علم فرنسا (أرشيف)
الخميس 18 ديسمبر 2025 / 14:30
في تطوّر سياسي بالغ الحساسية أحدث زلزالاً داخل المشهد السياسي الفرنسي، نشر أعضاء لجنة برلمانية تقريراً مُوسّعاً من نحو 650 صفحة حول علاقات قوى سياسية فرنسية (خصوصاً حزب "فرنسا الأبية" اليساري المتشدد) مع أشكال متعددة من الإسلام السياسي والجماعات القريبة من تنظيم الإخوان الإرهابي، مُعتبرين أنّ هذا التشابك بات يُمثّل تهديداً مباشراً للنظام الجمهوري الفرنسي.
جاء التقرير بعد نحو 6 أشهر من الجدل والتحقيقات، واستند إلى عشرات الشهادات والوثائق الرسمية وأجهزة الاستخبارات، ليكشف بوضوح أن الإسلام السياسي يسعى إلى بسط نفوذه في المجال العام الفرنسي عبر اختراق المشهد الحزبي والانتخابي، والضغط الاجتماعي والسياسي والإعلامي.
شُبهات حول حزب "فرنسا الأبية"
وتُشير الوثائق إلى أنّ هذا العمل لا يُمارس في الخفاء فحسب، بل بات يتم بغطاء سياسي أو انتخابي عبر تعاون شخصيات حزبية (أحياناً دون إدراك أو بوعي كامل) مع رموز إسلامية متشددة. ويوضح التقرير أنّ الأمر لم يعد مُرتبطاً فقط بجهات خارجية أو خلايا سرّية، بل بممارسات يومية داخل بعض البلديات وبين أوساط مُنتخَبين فرنسيين، حيث يتّسع نطاق التأثير في مناطق حضرية كبرى تمتلك ثقلاً ديموغرافياً.
ووفق ما نُشر، فإنّ جوهر الخطر ينبع من ظاهرة "الانتهازية الانتخابية" و"الاستثمار السياسي" في قضايا الهوية والدين، والتي يظهر جزء منها داخل أروقة حزب "فرنسا الأبية" الذي يتزعمه جان لوك ميلنشون، والذي طالما رفع شعارات الدفاع عن المُسلمين ومحاربة الإسلاموفوبيا وسياسات التمييز.
كما يوضح التقرير أنّ هذه الشعارات تحوّلت في بعض الحالات إلى جسر يربط بين الحزب وتنظيمات وشخصيات إسلامية راديكالية، تسعى إلى اختراق المؤسسات من الداخل وإيجاد موطئ قدم داخل الساحة الديمقراطية تحت مظلّة الحريات والحقوق.
تمرير النفوذ الإسلاموي
وتُورد الوثائق أنّ أجهزة الاستخبارات الفرنسية أوضحت للجنة التحقيق البرلمانية أنّ بعض التيارات الإسلاموية تعتمد على 3 قضايا مركزية لتوسيع نفوذها داخل الساحة السياسية: محاربة الإسلاموفوبيا، ومواجهة جميع أشكال التمييز، والدفاع عن القضية الفلسطينية.
ويُشير الخبراء إلى أنّ هذه القضايا، على الرغم من مشروعيتها في أصلها، أصبحت وسيلة فعالة لكسب شرعية شعبية وسياسية داخل المُجتمع الفرنسي، خصوصاً عند فئات شبابية متعاطفة مع هذه القضايا عالمياً، وهو ما أتاح لهذه الشبكات أن تتحرك سياسياً بحرية، مستفيدة من التعاطف العام.
ويُشير التقرير إلى أن هذه العلاقات لم تعد سطحية أو عرضية، بل وصلت إلى مستوى "تقارب أيديولوجي" بين بعض نواب "فرنسا الأبية" وجماعات ذات خلفيات إخوانية أو متعاطفة معها، حيث وجد المحققون أن بعض المُنتخَبين لجؤوا إلى التعامل المباشر مع تنظيمات مُصنّفة بأنّها قريبة من الإخوان المسلمين أو داعمة لخطاب جهادي في بعض الأحيان.
أسماء وشهادات
التقرير يذكر بالاسم نواباً وشخصيات سياسية مثل ريما حسن وتوماس بورتيس، ويُقدّم نماذج محددة كتواصل مع مجموعات إسلامية مشبوهة استُقبل بعضها في البرلمان الأوروبي، وهو ما يُعطي صورة صادمة عن عُمق هذه العلاقات.
ويكشف شاهد بارز من داخل الحزب نفسه ـ وهو مسؤول سابق استقال منه ـ أنّ ما يجري لم يعد مُجرّد تواصل انتخابي تقليدي، بل تحوّل إلى "استراتيجية سياسية موجهة لاستقبال شخصيات إسلامية متشددة للحصول على أصوات حاسمة في الانتخابات"، مُعتبراً ذلك "اختياراً سياسياً واعياً هدفه الفوز وليس الدفاع عن الديمقراطية".
ويُضيف التقرير أن هذه الممارسات قد ترتبط بتدخلات وتمويلات خارجية قادمة من دول أو منظمات قريبة من إيران أو جماعات إخوانية في أوروبا، ما يعزز خطراً ذا بُعدين: اختراق داخلي وتدخل خارجي في آن واحد.
اختراق للبلديات ومخاوف أمنية
ومن بين النقاط اللافتة، أنّ بلديات فرنسية عدّة أصبحت ساحة محورية لهذا الاختراق بسبب ضعف إمكانيات التمييز بين ممثلي الإسلام المُعتدل وبين شبكات الإسلام السياسي.
ويُشير التقرير إلى أنّ المُنتخبين المحليين يجدون أنفسهم في وضع مُعقّد: فإذا تعاونوا مع جماعات إسلامية مُعتدلة أو غير مُعتدلة، يتعرّضون لاتهامات، وإذا رفضوا ذلك فهم مهددون باتهامات بالعنصرية وكراهية الإسلام. هذا الفراغ التنظيمي يسمح لشخصيات متشددة بتقديم نفسها باعتبارها الممثل "الشرعي" عن المسلمين، رغم أنها لا تعكس إلا أقلية منظمة بأهداف سياسية واضحة.
ويمتد تأثير التقرير إلى جانب أمني مهم، إذ تُظهر وثائق الاستخبارات أنّ التهديد الإرهابي في فرنسا يتغير من حيث البنية والدوافع، حيث صار مُعتمداً على أفراد شباب يتلقون التحريض عبر الإنترنت، ويتأثرون مباشرة بالنزاعات الخارجية مثل حرب غزة، ما ينذر بتوسع دوائر العنف الفردي.
زلزال سياسي داخل فرنسا
التقرير أثار صدمة هائلة داخل البرلمان والأحزاب الفرنسية، وتحديداً حزب الجمهوريين الذي اعتبر أنّ ما كشفه التقرير يُمثّل "خطرًا وطنياً"، وأن القوى السياسية اليسارية تغاضت عن إشارات التطرف لتحقيق مكاسب انتخابية.
كما خلقت مواجهة زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلنشون مع أعضاء اللجنة لحظة سياسية فارقة، حيث بدا في وضع دفاعي صعب أمام أسئلة تتعلق بمواقفه السابقة من العلمانية والتطرف الديني. وترافق ذلك مع مطالبات بتعديل القوانين المتعلقة بالرقابة على النشاط السياسي داخل المساجد والجامعات، وتعزيز دور أجهزة المراقبة الداخلية.