الدكتور منّي بونعامة (من المصدر)
الخميس 29 يناير 2026 / 09:34
في تدافع ظاهر وعلني تتكالب الأمم على مناطق الخير والنّعم في معظم دول العالم، خاصة المتعلقة بطاقة المستقبل، مستعملة خطابات الترغيب والترهيب وصولاً إلى القوة العسكرية، وفي ذلك التدافع بما فيه من صراعات وحروب ـ كما هي الحال في عالمنا العربي، ومنها على الخصوص منطقة الخليج، يصبح من الضروري تنشيط الذاكرة الجماعية على مستوى صناعة الفكر، وتحديد مسارات التاريخ للذين يصنعون القرار اليوم حتى يتخذوا من الماضي متكأً معرفياً، قد يستندون إليه لإصدار مواقف حاسمة، أو تبرير ما يقدمون عليه على الأقل.
في هذا السياق، تبدو الساحة الإماراتية ليست بمعزل عن الأحداث العالمية الراهنة ـ بما فيها العسكرية ـ مستندة في ذلك على تاريخ صُنع في" جغرافيا حركة البشر" فيها على مدى قون خلت، قد يحق لنا تسميته بـ" الوجود التراثي"، الذي أنتجه ميراث ثقافي لأهلها، وأسهم في تشكيل بعده العالمي عبر أدب رحلات الآخر الغربي بوجه خاص.
لقد تمّ تناول تراث الإمارات ـ كتابةً وتسجيلاً ـ في عدد من الدراسات والمؤلفات، وكذلك الحال بالنسبة لما كتبه الرحالة الغربيّون عن الإمارات ودول الخليج العربي، وفي الحالتين طغى التَّقليد عن التجديد، والنقل عن العقل إلا فيما ندر.
مع ذلك، فقد شكّلت تلك الكتابات مرجعيّة لا غنى عنها، لكونها حملت قضايا إشكالية تأسّس عليها الجانب النظري والمجال التطبيقي في الحاضر، إضافة إلى مسألة جوهرية، تخصّ التكيف مع معطيات الحاضر وأحداثه في ظلِّ ما يجري اليوم من تدافع أدّى إلى توتّر العلاقات الدولية في سياق الحرب الدائرة بين القطب الواحد، والقطبيّة المتعددة.
على خلفيّة كل هذا، يمكن لنا قراءة الإسهامات الإبداعية في مجال التراث، ومن هنا ــ على سبيل المثال ــ ما يقدِّمه الباحث الموريتاني الدكتور "منّي بونعامة" للمكتبة العربية من مؤلفات عميقة وهادفة ومؤسسة، ومنها كتابه "تراث الإمارات في أدب الرحلات" (الصادر عن معهد الشارقة للتراث ـ 2025م).
في هذا الكتاب ركز المؤلف على "كشف النقاب عن مظاهر حضور التراث الشعبي الإماراتي في كتابة الرّحالة الغربيين، ومن سار على نهجهم أو من هو في حكمهم من السياسيين والإداريين والمبشرين الغربيين، وذلك من خلال استعراض تجليَّات التراث الإماراتي بشقّيه المادي وغير المادي في تلك المدوّنة".
الفكرة السابقة فصّلها بونعامة ويسّرها لنا ـ دراسة وشرحاً ـ في ستة فصول، جاء الأول منها طارحاً لبعد نظري، حدَّد فيه المفاهيم، بحيث تناول الرّحلة والتِّرحال، وأهمية الرحلة وفوائدها، وتحدث عن أبرز الرّحالة الذين زاروا المنطقة في القرون الخمسة الماضية، والأهمية التاريخية لكتب الرحالة، ومدى اعتبارها مصدراً تاريخياً موثوقاً.
وفي الفصل الثاني تناول الباحث صورة المدن الإماراتية في الذاكرة الغربية، وتوقف في الفصل الثالث عند مجتمع الإمارات في نصوص الرحلات، وفي الفصل الرابع بحث في الاقتصاديات التقليدية لمجتمع الإمارات، وتناول في الفصل الخامس العمارة التقليدية في الإمارات، وركز في الفصل السادس على عناصر التراث الإماراتي من خلال المدونة الرحليَّة الغربية.
ينتهي الكاتب ـ وهو مُحِقّ في ذلك ـ إلى أن "نصوص المدونة الغربية ذات قيمة تراثية لما اشتملت عليه من عناصر ومفردات ومكونات ومكنونات عن ماضي تراث الإمارات، ومع ذلك يتوجب التعامل مع تلك النصوص بكثير من الحيطة والحذر، لأنها كُتبت لغابات استعماريةـ وليس بهدف توثيق تاريخ المنطقة وتراثها..".
ورغم الطابع الاستعماري لتلك المدونة لكونها جاءت شارحة لثقافة الإمارات بهدف التمكين للقوى الاستعمارية في المنطقة، إلا أن بعض الرّحّالة هاموا أحياناً في حبّها شغفا، وافتن الناظرون منهم بما فيها على طول امتداد يابستها ومياهها، وتأثروا بأفعال أهلها من كرم وشجاعة وأخلاق نبيلة لدرجة فاقت تصوراتهم، فرأوا فيها شيئاً عُجاباً، وهو ما يحدث اليوم، لكن بصيغة عصريّة مختلفة.