رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي (أرشيف)
رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي (أرشيف)
السبت 31 يناير 2026 / 16:11

لماذا لن تفلت الحكومة العراقية المقبلة من نفوذ إيران؟

رغم التغيرات السياسية المتكررة في العراق، لا يبدو أن معادلة النفوذ الإقليمي مرشحة لتبدل جذري في المدى المنظور. ففي قراءة تحليلية لمسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ترى الباحثة بريجيت تومي أن النفوذ الإيراني في بغداد أعمق من أن يُهزّ بتغيير الأشخاص أو برفض خارجي لهذا المرشح أو ذاك، وأن أي حكومة جديدة ستظل، بدرجات متفاوتة، أسيرة توازنات تفرضها قوى سياسية ومسلحة تدين بالولاء لطهران.

مرشح جدلي ورفض أميركي مبكر
وقالت بريجيت تومي، محللة أبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات متخصصة في دراسة أذرع إيران الإقليمية، لا سيما الميليشيات العراقية وجماعة الحوثي، إن اختيار القيادات الشيعية في العراق لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي مرشحاً لقيادة الحكومة المقبلة لن يحظى بموافقة واشنطن.

وأضافت أن الإعلان عن ترشيح المالكي في 24 يناير (كانون الثاني)، بعد أكثر من شهرين على الانتخابات البرلمانية، قوبل بعد ثلاثة أيام فقط باعتراض صريح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لوّح بوقف الدعم الأميركي للعراق في حال تولي المالكي رئاسة الحكومة.

ترشيح لا يعني الحسم
وأوضحت الكاتبة أن إعلان الإطار التنسيقي، وهو الكتلة الشيعية التي قادت الحكومة السابقة، لا يعني بالضرورة أن المالكي سيحصل على المنصب. 

وأضافت أن الإطار نجح في كسر الجمود الداخلي عبر ترشيح المالكي، لكنه فشل في تحقيق إجماع كامل حوله، ما قد يعقّد مسار تشكيل الحكومة في نظام سياسي متعدد المراحل، فضلاً عن أن الرفض الأميركي يقلص من فرصه.

أيّاً يكن الرئيس القرار ليس مستقلاً
وتابعت الكاتبة أنه بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبل، فمن غير المرجح أن يكون رجل نفسه، إذ لا يقتصر الأمر على موقف الولايات المتحدة، بل يتجاوز ذلك إلى النفوذ العميق للجمهورية الإسلامية الإيرانية داخل مفاصل الدولة العراقية.

وأشارت الكاتبة إلى أن إدارة ترامب تعلق آمالاً كبيرة على العراق، سواء من حيث تقليص النفوذ الإيراني أو دعم التنمية الاقتصادية، إلا أن نتائج انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) أظهرت تقدماً واضحاً للأحزاب الشيعية المدعومة من طهران.

الإطار التنسيقي مظلة النفوذ الإيراني
وأضافت الكاتبة أن الإطار التنسيقي أعلن نفسه الكتلة الأكبر بعد أيام من الانتخابات، وسارع إلى إعلان نيته تشكيل الحكومة المقبلة. وأوضحت أن عدداً من مكونات هذا الإطار يمثل ميليشيات مرتبطة بإيران، تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الدولة، رغم الرسائل الأميركية التي شددت على ضرورة إبعاد الجماعات المسلحة عن المناصب الحكومية العليا.

خط أحمر أميركي محدود الأثر
وأشارت الكاتبة إلى أن واشنطن أوضحت، وفق تقارير، أن رئيس الوزراء وأبرز الوزراء يجب ألا يكونوا منتمين إلى جماعات مسلحة. غير أنها شددت على أن هذا لخط الأحمر، وإن التُزم به شكلياً، لن يزيل النفوذ المتجذر للقوى الموالية لإيران داخل الوزارات السيادية وقطاعات واسعة من الاقتصاد، لا سيما في حال تولي المالكي أو أي مرشح مدعوم من الإطار التنسيقي.

المالكي والميليشيات: علاقة رعاية لا انتماء
وأوضحت الكاتبة أن المالكي، رغم عدم انتمائه رسمياً إلى ميليشيا موالية لإيران، لعب دور الأب الروحي السياسي لهذه الجماعات طوال مسيرته. وأضافت أنه أسس هيئة الحشد الشعبي عام 2014، كمؤسسة أمنية رسمية تضم في معظمها ميليشيات مدعومة من إيران، ما أضفى شرعية قانونية على نفوذها، ومكّن جماعات مصنفة أميركياً منظمات إرهابية من توسيع حضورها داخل الدولة العراقية.

مؤشرات مقلقة في التعيينات المبكرة
وتابعت الكاتبة أن الإطار التنسيقي بدأ فعلياً بترقية شخصيات محسوبة على الميليشيات، مشيرة إلى اختيار عدنان فيحان الدليمي نائباً أول لرئيس البرلمان، وهو شخصية مرتبطة بجماعة عصائب أهل الحق المصنفة إرهابياً في الولايات المتحدة. 

وأضافت أن الدليمي متورط في هجوم كربلاء عام 2007، الذي أسفر عن مقتل جندي أميركي واختطاف وإعدام أربعة آخرين.

وجوه دائمة الحضور
وأشارت الكاتبة إلى أن اجتماعات قيادة الإطار التنسيقي تكشف عن حضور لافت لشخصيات ميليشياوية بارزة، من بينها قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، الذي يُعد إرهابياً مصنفاً أميركياً، وتفاخر علناً هذا العام بهجوم كربلاء.

ولفتت الباحثة النظر إلى هادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر، التي أسسها الحرس الثوري الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي، والذي وصف المرشد الإيراني علي خامنئي بأنه "قائد الأمة الإسلامية".

صناعة القرار بيد المعسكر الموالي لإيران
وأضافت الكاتبة أن هذه الشخصيات ستظل لاعباً رئيساً في صنع القرار العراقي، سواء بقي المالكي أو جرى استبداله بمرشح آخر يحظى بموافقة الإطار التنسيقي. 

وأكدت الباحثة أن تحذير ترامب من انتخاب المالكي، حتى لو أُخذ على محمل الجد، لن يغير جوهر المعادلة طالما بقي الإطار التنسيقي هو مركز الثقل السياسي للطائفة الشيعية الحاكمة.

مكاسب صغيرة بدل أوهام كبرى
وقالت الكاتبة إن على إدارة ترامب التعامل بحذر مع أي شخصية يطرحها الإطار التنسيقي لشغل مناصب قيادية. وأضافت أن إضعاف النفوذ الإيراني في العراق لا يتحقق بإجراءات سريعة أو شعارات سياسية، بل عبر تحقيق مكاسب صغيرة متراكمة، مثل منع أقرب حلفاء طهران من تولي مناصب سيادية، وتقليص دور الميليشيات تدريجياً، بما يحدّ من قبضتها على الدولة.

العراق بين واقع الهيمنة وحسابات التدرج
خلصت الكاتبة إلى أن الحكومة العراقية المقبلة، أياً كان رئيسها، لن تكون قادرة على التحرر الكامل من النفوذ الإيراني، ما دامت مراكز القرار الحقيقية خاضعة لتحالفات سياسية–عسكرية موالية لطهران. وبينما قد تنجح واشنطن وبغداد في تسجيل خطوات محدودة لتقليص هذا النفوذ، فإن كسر هيمنته يتطلب مساراً طويل الأمد يتجاوز تغيير الأشخاص إلى إعادة بناء التوازنات داخل الدولة نفسها.

المصدر:
https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/why-iraqs-next-government-wont-shake-off-irans-influence