الأحد 8 فبراير 2026 / 23:46
في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وإيران جولة دبلوماسية أخيرة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، تتزايد التحذيرات من أن أي تصعيد عسكري لن تبقى آثاره محصورة بين الطرفين، بل ستمتد ارتداداته إلى بؤر هشّة في الإقليم، وفي مقدمتها باكستان.
وتعكس الهجمات الدامية التي شهدها إقليم بلوشستان مؤخراً، بحسب إلدار ماميدوف، الخبير في السياسة الخارجية، والمقيم في بروكسل، نموذجاً لما يمكن أن تؤول إليه المنطقة، حال اندلاع حرب واسعة بين واشنطن وطهران.
هجمات دامية تنذر بتحول نوعي
وقال ماميدوف، في مقاله بموقع "ناشونال إنترست"، إن جماعة "جيش تحرير بلوشستان" نفذت في 31 يناير (كانون الثاني) سلسلة هجمات منسقة في إقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 33 من العسكريين والمدنيين، في واحدة من أكثر موجات العنف دموية خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن حجم الهجمات وتزامنها ودقتها يشير إلى أن التهديد القادم من بلوشستان لم يعد مجرد اضطرابات متقطعة، بل تحول إلى خطر إرهابي مستدام.
وأوضح أن هذا التهديد يتزامن مع استمرار نشاط تنظيم "داعش – خراسان" الإرهابي على الحدود الشمالية لباكستان، غير أن "جيش تحرير بلوشستان"، وهو تنظيم أقدم وأوسع انتشاراً، بات أكثر قدرة على تصدير عملياته خارج الأراضي الباكستانية.
وتابع أن هجمات بلوشستان تمثل معاينة مبكرة لحجم الفوضى التي قد تنجم عن حرب أمريكية–إيرانية، خصوصاً في ظل تداول أفكار داخل دوائر سياسية في واشنطن وتل أبيب حول تقسيم إيران على أسس عرقية، مع النظر إلى جماعات بلوشية مسلحة كأداة محتملة في هذا السياق.
وأشار التحليل إلى أن الجماعة مصنفة تنظيماً إرهابياً في باكستان وبريطانيا والصين والولايات المتحدة، إلا أن نموذجها العملياتي يشهد تطوراً سريعاً، إذ انتقل من الاعتماد على السيطرة الميدانية والقيادة الهرمية إلى بنية شبكية لا مركزية.
نموذج إرهاب جديد
وقال الفريق المتقاعد عامر رياض، المدير السابق للعمليات العسكرية في الجيش الباكستاني، إن نموذج عمل جيش تحرير بلوشستان انتقل من نشاط محلي مرتبط بالأرض إلى نمط لامركزي قائم على هجمات خاطفة، وتخريب للبنية التحتية، واغتيالات وحملات دعائية منسقة. وأضاف أن السيطرة على الأرض تحرم المسلحين من مساحة حركة، لكنها لا تفكك المنظومة الأوسع التي تغذي هذا العنف.
وأوضح الكاتب أن هذا التحول يطرح تحدياً على المفاهيم التقليدية لمكافحة الإرهاب، التي افترضت أن الجماعات المتطرفة تسعى دائماً إلى إقامة دولة أو كيان إقليمي، كما حدث مع تنظيمي "القاعدة" و"داعش" الإرهابيين. أما اليوم، فباتت الجماعات قادرة على الاستمرار دون الحاجة إلى سيطرة إقليمية.
خطر الفراغ الإيراني
وأضاف أن أي تفكك محتمل للدولة الإيرانية سيوفر فراغاً أمنياً واسعاً، قد تستغله هذه الجماعات لإقامة ملاذات آمنة، ما يتيح لها توسيع عملياتها عبر الحدود وتهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن دول آسيا الوسطى التي تراهن عليها واشنطن في تنويع طرق التجارة والطاقة بعيداً عن روسيا.
أدوات غير عسكرية مطلوبة
وتابع الكاتب أن أمام صناع القرار في واشنطن خيارات تتجاوز الدعم العسكري التقليدي، من بينها دعم مبادرات الحوكمة الرقمية لمواجهة الدعاية المتطرفة، وتطوير أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لاستشراف التهديدات، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين باكستان ودول آسيا الوسطى.
وأشار التحليل إلى إمكانية تبني نموذج تعاون مشابه للتنسيق الأميركي–الأردني في مكافحة الإرهاب، عبر بناء منظومة متكاملة تربط الأجهزة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية.
الدبلوماسية كخط دفاع أول
في ضوء هذه المعطيات، يخلص الكاتب إلى أن احتواء التداعيات الإرهابية المحتملة يشكل سبباً إضافياً وملحاً يدفع الولايات المتحدة إلى تفضيل المسار الدبلوماسي مع طهران. فبلوشستان، بما تشهده من عنف متصاعد، تقدم إنذاراً مبكراً بمرحلة جديدة من الإرهاب العابر للحدود، مرحلة لا يمكن التعامل معها بالأدوات القديمة وحدها.