الإثنين 9 فبراير 2026 / 23:58

سباق مع الزمن لإحياء صناعة السفن الأمريكية

تواجه الولايات المتحدة لحظة حاسمة في تاريخ صناعتها البحرية، بعدما تراجعت قدرتها على بناء السفن التجارية والعسكرية إلى مستويات تهدد أمنها القومي وسلاسل إمدادها الاستراتيجية. وفي عالم تهيمن فيه الصين وشرق آسيا على نحو 95 في المئة من صناعة السفن عالمياً، تبدو واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول باستمرار التدهور، أو الشروع في إصلاحات جذرية لقواعد التجارة العالمية وسياساتها الصناعية. الكاتب مايكل روبرتس يطرح في هذا التحليل خريطة طريق لإنقاذ الصناعة البحرية الأمريكية قبل فوات الأوان.

سباق القرارات المؤجلة

وقال مايكل روبرتس، زميل أول ومدير مبادرة الأمن البحري الأمريكي في معهد هدسون، في مقاله بموقع "ناشونال إنترست"، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استهل ولايته الثانية قبل عام بسيل من الأوامر التنفيذية التي أحدثت تغييرات سريعة في قطاعات الطاقة والمعادن والبنوك، غير أن خطط إصلاح قطاع الشحن وبناء السفن التجارية استغرقت وقتاً أطول في التبلور. 

وأضاف الكاتب أن الحاجة إلى التحرك في هذا القطاع لا تقل إلحاحاً عن غيره، بل ربما تفوقه، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن القومي الأمريكي.

هيمنة شرق آسيا وخطر الارتهان للصين

وأوضح الكاتب أن نحو 95 في المئة من صناعة السفن العالمية تتركز اليوم في شرق آسيا، إما داخل الصين أو في دول تقع ضمن مدى الصواريخ الصينية. 

وتابع الكاتب أن الولايات المتحدة لا تملك حالياً السيطرة على سلاسل الإمداد البحرية التي انهارت بعد جائحة كورونا، في حين تمتلك الصين القدرة على تعطيلها عمداً. كما أن القدرة الأمريكية على نشر قواتها في الخارج باتت محدودة بسبب ضآلة أسطولها التجاري.

وعود لم تُنفذ وتشريعات متعثرة

وأشار الكاتب إلى أن أمراً تنفيذياً صدر في أبريل (نيسان) بعنوان "استعادة الهيمنة البحرية الأمريكية" حدد المخاطر ووعد بإطلاق خطة عمل بحرية بحلول نوفمبر "تشرين الثاني)، إلا أن هذه الخطة لم ترَ النور حتى الآن.

وأضاف أن الكونغرس بدوره لم يحقق تقدماً ملموساً في تمرير قانون "السفن من أجل أمريكا" رغم ما يحظى به من دعم حزبي مشترك.

من المسؤول عن الانهيار؟

وقال الكاتب إن بعض الأمريكيين يحمّلون القوانين المحلية أو النقابات العمالية مسؤولية ضعف الصناعة، بينما يذهب آخرون إلى الرهان على تقنيات مفضلة أو دعم مالي ضخم للحاق بالصين.

غير أن الكاتب شدد على أن جوهر المشكلة يكمن في قواعد التجارة العالمية نفسها، التي تسمح لأي سفينة من أي دولة بالعمل في السوق الأمريكية، ما يدفع الشركات للبحث عن أقل التكاليف عالمياً.

الصين.. اللاعب الأوفر حظاً

وأوضح الكاتب أن الصين تستفيد من انخفاض كبير في تكاليف العمالة والصلب والمدخلات الصناعية، إلى جانب دعم حكومي هائل، ما منحها تفوقاً تاريخياً في الصناعة البحرية.
وأضاف أن بكين لم تفعل ذلك بدافع اقتصادي فقط، بل إدراكاً منها للقيمة الاستراتيجية لصناعة بحرية قوية تدعم طموحاتها العالمية.

تغيير القواعد.. الدرس المستفاد من الطيران

وتابع الكاتب أن قطاع الطيران الدولي يقدم نموذجاً مغايراً، حيث تحتفظ الدول بحقها السيادي في التحكم بمجالها الجوي، ما يمنع ظاهرة أعلام الملاءمة التي تنتشر في قطاع الشحن البحري.

وأشار الكاتب إلى أن الاتفاقيات البحرية الحالية، خصوصاً تفاهمات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 1993، تشجع عملياً على هذه الظاهرة، الأمر الذي أسهم في تكريس الهيمنة الصينية.

قانون السفن كخطوة أولى

وقال الكاتب إن الحل طويل الأمد يتمثل في تغيير القواعد، لكن ذلك يتطلب وقتاً ومفاوضات معقدة.

 وأضاف أن الخيار الأكثر واقعية حالياً هو الإسراع في إقرار وتطبيق العناصر الأساسية من قانون السفن، وعلى رأسها برنامج الأسطول التجاري الاستراتيجي، الذي يوفر طلباً مستقراً لأحواض بناء السفن الأمريكية ويعالج فجوة النقل البحري العسكري.

بين الأمن القومي والوقت الضائع

وأوضح الكاتب أن البرنامج المقترح سيغطي فقط الكلفة الإضافية لجعل السفن أمريكية الهوية، بما يقلل العبء على دافعي الضرائب، ويمنح البنتاغون قدرة نقل احتياطية منخفضة الكلفة.

وختم الكاتب بالإشارة إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ وجه جيشه للاستعداد لاستخدام القوة ضد تايوان بحلول نهاية العام المقبل، مؤكداً أن الوقت ليس في صالح الولايات المتحدة.

لحظة الاختبار الكبرى

واختتم الكاتب مقاله بالقول: "تقف الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما استعادة مكانتها كقوة بحرية صناعية قادرة على حماية مصالحها العالمية، أو القبول بمزيد من الارتهان لمنافس استراتيجي لا يخفي طموحاته. إن إنقاذ صناعة السفن الأميركية لم يعد خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة وجودية للأمن القومي الأمريكي".