دبابة إسرائيلية مهجورة في غزة (أرشيف)
السبت 15 نوفمبر 2025 / 08:35
قال الكاتب والمحلل الجيوسياسي البحريني عبد الله الجنيد، إن الشرق الأوسط اليوم يواجه واحدة من أعقد مراحل إعادة الإعمار في تاريخه الحديث، في ظل الدمار الواسع الذي لحق ببلدان مثل غزة وسوريا ولبنان واليمن والعراق والسودان. وأضاف في مقال في مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية بعنوان " كيف نمول إعادة إعمار الشرق الأوسط؟"، أن التحدي لا يكمن في ضخ الأموال فحسب، بل في إيجاد آلية تمويل ذكية ومستدامة ترتبط بإصلاحات حوكمة حقيقية، تعيد الثقة إلى الأسواق وتفتح الباب أمام تنمية طويلة الأمد.
وأوضح الجنيد أن العالم يستطيع أن يستلهم تجربة "سندات برادي" الشهيرة التي أنقذت اقتصادات أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، لكن عبر نسخة إنسانية وعصرية تتلاءم مع واقع المنطقة اليوم، وتوازن بين متطلبات الإعمار وحماية المدنيين وشفافية الإدارة المالية. وأشار الكاتب إلى أن سندات برادي نشأت بعد أزمة الديون في أمريكا اللاتينية حين أطلقتها وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنوك الخاصة، فحوّلت ديوناً متعثرة إلى أدوات مالية قابلة للتداول ومدعومة بضمانات أميركية.
وقال الجنيد إن هذه الآلية أعادت الثقة إلى الأسواق الدولية، وفتحت باب التمويل للإصلاحات والبنى التحتية، مشيراً إلى أن قوة نموذج برادي كانت تكمن في التنسيق بين الدائنين، وتقاسم المخاطر، والحوكمة الموثوقة بإشراف مؤسسات دولية.
وأضاف الكاتب أن تبني إطار مماثل في الشرق الأوسط قد يمنع تعطل عمليات إعادة الهيكلة، ويؤسس لبرامج إصلاحية تدعمها مؤسسات مالية كبرى مثل صندوق النقد والبنك الدولي، شرط أن ترافقها رقابة صارمة على أوجه الصرف وآليات الشفافية.
آلية جديدة لإعمار المنطقة
وأوضح الجنيد أن دول المنطقة تحتاج إلى تمويل طويل الأجل منخفض الكلفة لإعادة بناء البنى التحتية الحيوية، من المياه والطاقة إلى الإسكان والتعليم والصحة. واقترح إنشاء آلية مالية إقليمية مستوحاة من نموذج برادي، على أن تُدار بشفافية كاملة، وبشراكة بين مؤسسات التمويل الدولية والبنوك التنموية العربية، وأن تخصص عائداتها حصراً لمشروعات الإعمار والتنمية المستدامة. وقال الكاتب إن هذه الآلية يجب أن تراعي خصوصيات الواقع الإنساني والسياسي في المنطقة، بحيث تُستبعد تماماً أي نفقات عسكرية أو أمنية غير خاضعة للموافقة الإنسانية، وأن تُربط القروض ببرامج إصلاح ومكافحة فساد.
ودعا الكاتب إلى أن تكون الإدارة المحلية في صلب العملية، من خلال ما سماه مبدأ "القيادة الإقليمية المدعومة دولياً"، الذي يضمن الشرعية المحلية والرقابة المجتمعية، ويحدّ من الاعتماد المفرط على الخارج.
صندوق إقليمي
وتابع الجنيد موضحاً أن أفضل صيغة ممكنة هي إنشاء صندوق إقليمي لإعادة الإعمار، يُدار بشراكة بين صندوق النقد الدولي، والبنوك التنموية الإقليمية، وشركاء دوليين مختارين. وأوضح الكاتب أن الصندوق سيعمل على إصدار سندات سيادية على غرار سندات برادي، مضمونة بأصول أو تدفقات مالية مستقبلية، وتُستخدم حصيلتها لتمويل مشاريع حيوية في مجالات الكهرباء، والمياه، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والاتصال الرقمي. وأضاف أن مشاركة القطاع الخاص ستكون حاسمة في نجاح التجربة، شريطة توفير أدوات لتقاسم المخاطر، وضمانات تمويل مدعومة من المؤسسات الدولية، وتحفيز الاستثمارات ذات الأثر الاجتماعي، لتتحقق شراكة حقيقية بين رأس المال والتنمية.
الشفافية
وشدد الكاتب على أن نجاح أي مبادرة لإعادة الإعمار يرتبط بوجود منظومة رقابة شفافة ومستقلة، تضمن وصول التمويل إلى المستفيدين الفعليين، وتمنع تسرب الموارد. وأوضح أن الصندوق المقترح يجب أن يعتمد نظام تتبّع رقمي لمشاريع الإعمار، مع مؤشرات أداء واضحة، وعقود ملزمة تراعي المعايير البيئية والإنسانية، ومراجعات دورية من قبل هيئات محاسبة دولية. كما قال إن أي إخفاق في ضبط الحوكمة سيؤدي إلى فقدان الثقة ويُفشل جهود إعادة الإعمار، مؤكداً أن بناء الثقة بين المانحين والمجتمعات المحلية هو رأس المال الحقيقي لأي مشروع إعادة بناء ناجح.
الإصلاح قبل التمويل
وقال الجنيد إن تمويل الإعمار لا يمكن فصله عن الإصلاح، داعياً إلى أن يكون الدعم الدولي محفزاً لتحديث الأنظمة الإدارية والمالية، وتعزيز دور المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار الاقتصادي. وأضاف الكاتب أن المجتمع الدولي يجب أن يشجع الإصلاح لا أن يمنح الشرعية لأي ضعف في الحوكمة، وأن التنسيق الإقليمي هو السبيل لتفادي تكرار التجارب السابقة التي شابها التشتت وضعف الرقابة. وأكد الجنيد أن الوقت حان لابتكار نموذج تمويلي إنساني جديد لإعادة إعمار الشرق الأوسط، يستلهم روح سندات برادي لكن بآليات أكثر عدلاً وشفافية. وقال إن النجاح يتطلب إرادة سياسية ثابتة، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار، والتزاماً أخلاقياً بأن تكون مصلحة الإنسان هي الهدف الأول لكل برنامج أو قرض أو مشروع.وأضاف الكاتب أن إرث سندات برادي يمنحنا درساً في الإبداع المالي، لكنه يدعونا هذه المرة إلى الإبداع الإنساني أيضاً، مؤكداً أن بناء الثقة بين الشعوب والمؤسسات هو الطريق الأقصر نحو سلامٍ اقتصادي وتنموي حقيقي.