الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أرشيف)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أرشيف)
الخميس 4 ديسمبر 2025 / 00:18

هل صنع ترامب حقبة سلام جديدة في الشرق الأوسط أم أعاد تغليف الأزمات؟

قال الكاتب بول دو كونوا، رئيس معهد بالم بيتش للحرية، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أطلق حقبة سلام غير مسبوقة في الشرق الأوسط، مستنداً إلى عمليات عسكرية مكثفة ضد التنظيمات المسلحة، وخطة أممية لوقف الحرب في غزة، وتدفق استثمارات خليجية نحو الولايات المتحدة.

في المقابل، يرى الكاتب فيصل قطي، المحامي والأكاديمي الكندي، أن ما يصفه ترامب بالسلام ليس سوى تجميل للعنف، وأن وقف إطلاق النار هش، وأن الظروف الإنسانية والسياسية في غزة والمنطقة تنفي وجود أي سلام حقيقي. وبين الرؤيتين، يدور سجال سياسي يعكس عمق الانقسام في تقييم دور إدارة ترامب في المنطقة. وأوضح بول دو كونوا أن ترامب عاد بقوة إلى الشرق الأوسط كما فعل في ولايته الأولى، وأنه نجح في دعم إسرائيل عسكرياً في عملياتها ضد حماس وحزب الله والحوثيين، إضافة إلى احتواء إيران وإضعاف برنامجها النووي عبر ضربات مباشرة ودعم التحركات الإسرائيلية. وأضاف الكاتب أن دولاً تتحرك نحو قبول موسع للاتفاق الإبراهيمي، مدفوعة بسياسة ترامب القائمة على عدم التدخل وبوعود استثمارية ضخمة داخل الولايات المتحدة.

وتابع الكاتب أن وقف إطلاق النار في غزة، رغم عيوبه، أنهى حرباً دامت قرابة عامين، وأن مجلس الأمن صادق على خطة ترامب للسلام والتنمية، ما يعكس قبولاً دولياً متنامياً لدور واشنطن.

 العنف مستمر 

على الطرف الآخر، قال فيصل قطي، المحامي وأستاذ قانون في تورونتو،  إن السلام الذي يتحدث عنه ترامب هو إعادة تسمية للعنف وليس إنهاءً له، موضحاً أن وقف إطلاق النار تعرض لمئات الخروقات، وأن إسرائيل شنت نحو 500 هجوم منذ سريانه، ما أدى إلى سقوط ضحايا جدد، وتفاقم المجاعة، ونقص المساعدات الإنسانية في غزة. وأضاف الكاتب أن خطة غزة التي مررتها إدارة ترامب في الأمم المتحدة، تفرض وصاية أجنبية عبر مجلس سلام خارجي، وقوة عسكرية، بدل تعزيز حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية نفسها ترفض أي مسار يقود إلى قيام دولة فلسطينية، مما يجعل أساس التسوية هشاً وغير واقعي.

وقال قطي إن الحديث عن سلام شامل بعد مقتل 69 ألف فلسطيني، وتحول غزة إلى أنقاض، هو تزييف للحقيقة وليس مساراً يؤدي إلى الاستقرار.

تحولات غير مسبوقة

عاد بول دو كونوا ليؤكد أن الحرب في غزة توقفت فعلياً وأن التنظيمات المسلحة انخفض مستوى فعاليتها إلى الحدود الدنيا، كما أن إيران باتت معزولة، وروسيا والصين انكفأتا عن الساحة الإقليمية. وأضاف أن دولاً عربية، منها سوريا، تسعى إلى الدبلوماسية والتسويات في عهد ترامب، ما يعزز رؤيته لحقبة جديدة من الهدوء. وتابع الكاتب أن سياسات ترامب جعلت الشرق الأوسط أكثر هدوءاً مما كان عليه طوال هذا القرن، مشيراً إلى تدفق الاستثمارات، والحد من الهجمات الإرهابية، وتراجع النفوذ الإيراني في البحر الأحمر وبلاد الشام.

 لا سلام بلا عدالة 

ورد فيصل قطي بأن الاتكاء على تراجع الهجمات لا يعني وجود سلام، فالمجاعة مستمرة، والنازحون بلا مأوى، والعمليات الإنسانية معطلة. وأوضح أن الدول العربية ليست موحّدة خلف رؤية ترامب، وأن روسيا والصين تقدمان مبادرات بديلة داخل مجلس الأمن. وأضاف الكاتب أن إيران لم تُنزع قدراتها النووية، وأن الحديث عن صفر قدرة نووية لا يستند لأي دليل. وتابع أن النزاعات في لبنان واليمن وسوريا ما زالت مفتوحة، وأن الاستثمار في الاستقرار لا يمكن أن يتم عبر صفقات شخصية بين قادة، بل من خلال مؤسسات مستقرة ومسارات سياسية شاملة.

وقال قطي إن الاتفاق الإبراهيمي لم يحل أي خلاف جذري، وأن قبول الرياض بالتعاون مع واشنطن نتيجة حسابات اضطرارية لا رؤية مشتركة.

سجال 

ويُظهر السجال، كما يوضح الكاتبان، عمق التباين في تعريف السلام نفسه، فبالنسبة لدو كونوا، السلام يعني انخفاض مستوى الحرب العسكرية، وتراجع الإرهاب، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يخدم الاستقرار. أما قطي، فيرى أن السلام الحقيقي يتطلب عدالة سياسية، وحقوقاً وطنية، ومساراً تفاوضياً شاملاً، وليس مجرد وقف لإطلاق النار تحت الضغط. وتجمع الرؤيتان أن المنطقة في حالة تحول، لكنهما تختلفان جذرياً في تفسير اتجاه هذا التحوّل: هل هو نحو استقرار طويل الأمد أم نحو هدوء هش يخفي أزمات قابلة للانفجار؟

سلام معلق

واختتم السجال بالإشارة إلى أن تقييم دور إدارة ترامب في الشرق الأوسط يعتمد على الزاوية التي ينظر منها إلى الأحداث. فبينما يرى مؤيدوه أنه أسس لحقبة سلام مدعومة بالقوة، يرى منتقدوه أنه أعاد تغليف الأزمات بإطار دبلوماسي. وما بين الطرحين، تبقى حقيقة واحدة: أن ملفات المنطقة، من غزة إلى إيران، ومن اليمن إلى لبنان ما تزال مفتوحة، وأن أي سلام لا يتجذر في حلول عادلة وشاملة سيظل هشاً وعرضة للانهيار.