الثلاثاء 27 يناير 2026 / 15:50
تراهن واشنطن على وكالة الاستخبارات الأمريكية في قيادة مرحلة ما بعد الرئيس مادورو وبسط النفوذ الأمريكي في بلد يشهد انتقالًا سياسياً هشاً.
وتعمل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي.آي.أيه" بهدوء على تأسيس وجود أمريكي دائم على الأرض داخل فنزويلا، في خطوة تقود خطط إدارة الرئيس دونالد ترامب لاستثمار نفوذها المستجد في رسم مستقبل البلاد، وفقاً لمصادر متعددة مطلعة على تفاصيل المخطط الأمريكي بحسب ما ذكرت "سي.إن.إن".
وتركّزت النقاشات الجارية بين وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية حول طبيعة البصمة الأمريكية داخل فنزويلا، على القريب والبعيد، وذلك عقب العملية المفاجئة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو وزوجته في وقت سابق من الشهر الحالي.
الاستخبارات في الواجهة
وبحسب المصادر، ستتولى وزارة الخارجية الدور الدبلوماسي الأمريكي طويل الأمد داخل فنزويلا، إلا أن إدارة ترامب تعتزم الاعتماد بشكل أساسي على وكالة الاستخبارات المركزية لقيادة مرحلة العودة الأولى، في ظل التحول السياسي الجاري وتدهور الوضع الأمني بعد إقصاء مادورو.
وقال أحد المصادر المطلعة لشبكة "سي.إن.إن" الإخبارية: "وزارة الخارجية ترفع العلم، لكن وكالة الاستخبارات هي من تمسك بخيوط النفوذ فعلياً"، على الأرض،
وأشار المصدر إلى أن أهداف الوكالة في المرحلة الأولى تشمل تهيئة الأرضية للتحركات الدبلوماسية وبناء العلاقات مع الجهات المحلية، إضافة إلى توفير الترتيبات الأمنية.
موطئ قدم
في المدى القصير، سيعمل مسؤولون أمريكيون من ملحق تابع لوكالة الاستخبارات قبل افتتاح سفارة رسمية، ما يسمح ببدء اتصالات غير رسمية مع أطراف مختلفة داخل الحكومة الفنزويلية، إلى جانب شخصيات معارضة، ورصد جهات ربما تمثل تهديداً، في سيناريو يشبه ما قامت به الوكالة في أوكرانيا سابقاً.
وقال مسؤول أمريكي سابق شارك في التواصل مع فنزويلا: "إنشاء ملحق استخباراتي هو الأولوية القصوى. قبل القنوات الدبلوماسية، يتيح هذا الملحق فتح قنوات تنسيق مع الاستخبارات الفنزويلية وإجراء محادثات لا يستطيع الدبلوماسيون خوضها".
ودأبت الولايات المتحدة على إرسال مديري الوكالة أو كبار مسؤولي الاستخبارات لإجراء لقاءات حساسة مع قادة دول بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة.
وكان مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جون راتكليف، أول مسؤول رفيع في إدارة ترامب يزور فنزويلا بعد عملية مادورو، حيث التقى بالرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، وقيادات عسكرية في وقت سابق من الشهر.
وشدد راتكليف، خلال الزيارة، على رسالة أساسية مفادها أن فنزويلا لم تعد ملاذاً آمناً لخصوم الولايات المتحدة.
محور الاهتمام
ومن المتوقع أن تضطلع الوكالة بدور أساسي في إطلاع المسؤولين الفنزويليين على تقييمات استخباراتية أمريكية تتعلق بخصوم واشنطن، وعلى رأسهم الصين وروسيا وإيران.
وقال مسؤول أمريكي سابق: "وزارة الخارجية لن تكون الجهة التي تشرح لفنزويلا مخاوف واشنطن من الصين وروسيا وإيران، هذا الدور استخباراتي بامتياز".
وفي أغسطس (آب) الماضي، نشرت الوكالة فريقاً سرياً صغيراً داخل البلاد لتعقّب تحركاته وأنماط تنقله، ما ساهم في إنجاح العملية.
وشملت العملية مصدراً استخباراتياً داخل الحكومة الفنزويلية ساعد في تحديد موقع مادورو قبل اعتقاله، بحسب مصادر مطلعة.
كما استند قرار إدارة ترامب دعم ديلسي رودريغيز، بدلًا من زعيمة المعارضة ماريا ماتشادو، إلى "تقييم استخباراتي" سري أعدته الوكالة حول تداعيات إزاحة مادورو.
رئيسة فنزويلا: سئمنا من أوامر واشنطن - موقع 24قالت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز، إنها "سئمت من أوامر واشنطن"، وذلك بعد الضغوط الأمريكية التي مورست عليها منذ الغارات الجوية واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو.
نفوذ بلا استراتيجية
بعد اعتقال مادورو، بدأت الوكالة تركّز على ممارسة النفوذ الأمريكي من داخل فنزويلا وتقييم أداء القيادة الجديدة التي ساهمت في إيصالها إلى الحكم.
لكن مصادر مطلعة أكدت أن المسؤولين الأمريكيين لا يزالون بانتظار توجيهات واضحة من البيت الأبيض بشأن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، رغم تصريح ترامب بأن إدارته ستتولى "إدارة البلاد".
وقال أحد المصادر: "هذا الغموض يجعل التخطيط أصعب، نحن نؤسس الوجود أولًا، على أن تتضح الأهداف لاحقاً".
بالتزامن مع ذلك بدأت وزارة الخارجية الأمريكية اتخاذ "خطوات أولية" لإعادة فتح السفارة الأمريكية في كراكاس، التي أُغلقت عام 2019.
وفي أوائل يناير (كانون الثاني) أُرسل فريق دبلوماسي وأمني لإجراء تقييم أولي تمهيداً لـ"استئناف تدريجي محتمل للعمليات".
وأكد مسؤول رفيع أن عدداً محدوداً من الموظفين الأمريكيين موجود حالياً في كراكاس لهذا الغرض.
ويبقى الوضع الأمني غير مستقر، ما يعقّد خطط واشنطن، خصوصاً أن الدبلوماسيين غير مدرّبين على حماية أنفسهم، وهو ما يعزز دور الوكالة في المرحلة الأولى.
كما يظل رد فعل الشارع الفنزويلي تجاه وجود استخباراتي أمريكي علني غير واضح، خاصة بعد سنوات صوّر فيها مادورو وكالة الاستخبارات الأمريكية بالعدو المتربص ويتآمر لإسقاطه.