(رويترز)
الجمعة 13 ديسمبر 2024 / 16:21
رأى الكاتب الأمريكي ديفيد إغناثيوس إن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو باتا فجأة قادرين على إعادة رسم الشرق الأوسط.
مهما حدث في سوريا لن يبقى في سوريا
وقال في مقاله بصحيفة "نيويورك تايمز" إنه يعتمد على قاعدة بسيطة لتقييم عدم الاستقرار المحتمل في بلدان الشرق الأوسط، مقسّماً تلك البلدان إلى نوعين:
بلدان تنهار من الداخل، حيث تسقط السيطرة المركزية وتتداعى الأعمدة المدمرة داخل حدودها.
بلدان تنفجر، حيث تمتد دائرة الشظايا السياسية إلى مسافات بعيدة عند انهيار السيطرة المركزية.
وأشار إلى أن سوريا تُعد المثال الأبرز على النوع الثاني، قائلاً: "ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا". وأوضح أن سوريا تمثل حجر الزاوية وعالماً مصغراً للشرق الأوسط بأكمله.
سوريا كمحور للتغيير
باعتبارها حجر الزاوية، فإن انهيار سوريا يؤدي إلى انتشار التأثيرات في جميع الاتجاهات.
وبوصفها عالماً مصغراً، تحتوي سوريا على مزيج معقد من الطوائف: السنة، الشيعة، العلويون، الأكراد، المسيحيون، والدروز. وعندما تتضاءل السيطرة المركزية، تصبح كل طائفة مهددة، ما يدفعها لطلب المساعدة من الخارج. في المقابل، تُعد سوريا فرصة للقوى الإقليمية التي تتدخل لاستمالتها.
وأضاف الكاتب أن إبقاء سوريا تحت السيطرة كان يتطلب تاريخياً زعيماً صارماً في دمشق لردع القوى الإقليمية من الخارج والحفاظ على النظام في الداخل. ومع ذلك، فإن التغيير الإيجابي في سوريا يمكن أن يكون له تأثيرات واسعة وإيجابية على المنطقة.
رسالة إلى وزير الخارجية المعين
ووجه الكاتب رسالة إلى وزير الخارجية المعين ماركو روبيو، قائلاً إن أول تحدٍ كبير له كدبلوماسي في إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب قد يكون إقناع الرئيس بالتخلي عن خطابه الانعزالي، مثل شعارات "أمريكا أولاً" و"لسنا بحاجة إلى الناتو"، والتركيز بدلاً من ذلك على المساعدة في بناء الدولة في سوريا.
وتساءل الكاتب: "ولكن لماذا؟"، قبل أن يجيب: "لأن الإطاحة بالرئيس بشار الأسد من قبل المتمردين السوريين قد تكون واحدة من أكثر الأحداث إيجابية التي تغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط خلال العقود الخمسة الأخيرة".
وأضاف "الفرص في السياسة الخارجية تأتي فجأة، والرؤساء العظماء هم من ينتهزونها".
واعتبر الكاتب أنه رغم احتمالات النجاح ضئيلة، لكن العائد المحتمل هائل لدعم سوريا، والمخاطر التي قد تواجهها الولايات المتحدة ليست كبيرة. ومع ذلك، يتطلب هذا الوضع قيادة أمريكية أكثر كثافة.
الغزو الأمريكي للعراق
عاد الكاتب إلى عام 2003، حيث كان الغزو الأمريكي للعراق في عهد الرئيس جورج دبليو بوش يسعى لتحقيق هدفين رئيسيين:
1- إزالة أسلحة الدمار الشامل، والتي تبين لاحقاً أنها ادعاءات زائفة.
2- إرساء ديمقراطية متعددة الطوائف في بغداد كأنموذج يمكن أن يُلهم الدول العربية الأخرى لمعالجة المشاكل التي أدت إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
واعتبر الكاتب أن الهدف الثاني كان طموحاً ولكنه مستحيل، حيث لا يمكن فرض الديمقراطية من الأعلى إلى الأسفل أو من الخارج إلى الداخل، بل يجب أن تنمو عضوياً من الداخل إلى الخارج. وأشار إلى أن القوات الأمريكية هي التي أسقطت تمثال صدام حسين في بغداد، وليس العراقيون أنفسهم، على الرغم من أن كثيرين منهم كانوا يحتفون بسقوطه.
ورغم أن العراق نجح في إنتاج ديمقراطية دستورية لتقاسم السلطة، إلا أنها ما زالت تعاني من هشاشة الدولة، وتغلغل نفوذ إيران وعملائها، فضلاً عن الفساد. ورغم إجراء ستة انتخابات نزيهة نسبياً منذ 2003، إلا أن البرلمان الذي أنتجته تلك الانتخابات يهيمن عليه أحزاب طائفية وعرقية، بدلاً من روح المواطنة العراقية القوية التي يمكن أن تقاوم التدخلات الخارجية.
الأسد وخامنئي
أوضح الكاتب أن العراق عانى منذ عام 2003 بسبب الطغاة في سوريا وإيران، بشار الأسد وعلي خامنئي، الذين عملوا على منع ظهور أي نموذج ديمقراطي في بغداد قد يُلهم شعوبهم للقيام بالمثل.
وأشار إلى أن المظاهرات التي بدأت في تونس ومصر امتدت إلى سوريا عام 2011، ولكن الأسد كان مستعداً لقتل مئات الآلاف من شعبه وتهجير الملايين للحفاظ على السلطة، حتى سقوط نظامه الأسبوع الماضي.
وتابع الكاتب بسؤال "هل يحصل الشرق الأوسط على فرصة أخرى لتشكيل حكومة توافقية تعددية في عاصمة عربية عظيمة أخرى، مثل دمشق، ولكن هذه المرة بقيادة شعبها وليس بفرض خارجي؟"
وأشار الكاتب إلى أنه من الصعب التنبؤ بما يدور في ذهن أو قلب زعيم "هيئة تحرير الشام"، أبو محمد الجولاني، الذي أمضى سنوات يحاول إعادة تشكيل صورته. فقد سعى إلى التخلي عن ارتباطاته السابقة مع تنظيم القاعدة، وقدم نفسه كزعيم يدعو إلى التعددية والتسامح. وأضاف: "يجب علينا بذل أقصى الجهود من الخارج لتشجيع الجولاني والضغط عليه، وتحفيزه على الارتقاء إلى الصورة التي رسمها لنفسه".
وأوضح أن المشكلة السورية تعكس نموذجاً مصغراً للتحديات الكبرى التي سيواجهها فريق السياسة الخارجية للرئيس السابق دونالد ترامب على مستوى العالم، وهي كيفية إدارة الضعف بدلاً من القوة. فالدول المنهارة التي تهدد العالم بانهيارها تمثل تحدياً أكبر من الدول الصاعدة التي تهدد العالم بقوتها.
وباستثناء الصين، فإن التحدي الأهم أمام أمريكا وحلفائها يتمثل في التعامل مع الدول الضعيفة، وليس القوية، وكيفية بناء هذه الدول أو إصلاحها بتكلفة يمكن للشعب الأمريكي تحملها.

إعادة إعمار سوريا
نقل الكاتب عن ديفيد روزنبرغ، الكاتب الاقتصادي في صحيفة "هآرتس"، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تصل بسهولة إلى سبعة أضعاف حجم الاقتصاد السوري. وأشار إلى أن إعادة البناء ستتطلب خبرات فنية تمتلكها قلة من الدول.
وأضاف: "سوريا مفلسة، ومن غير المرجح أن يوفر ترامب مساعدات مالية كبيرة لها، كما أن العقوبات الغربية المفروضة عليها تستدعي رفعها لكي تبدأ عملية التعافي وإعادة البناء".

خيارات ترامب تجاه سوريا
أشار الكاتب إلى أن ترامب قد يختار الانسحاب من سوريا، كما حاول سابقاً عندما كان رئيساً، ويترك الشرق الأوسط يتفكك. وربما يتبنى موقفاً مشابهاً لما قاله نائب الرئيس المنتخب، جيه دي فانس، بشأن أوكرانيا: "لا أهتم حقاً بما يحدث".
ولكن من جهة أخرى، قد يعترف ترامب بأن الطريقة الوحيدة لدعم سوريا بكلفة مقبولة هي بناء تحالف دولي يشمل حلف شمال الأطلسي، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وربما حتى الصين والهند. وهدف هذا التحالف هو منح الانتفاضة السورية أفضل فرصة للنجاح.

المقارنة مع أفغانستان
اختتم الكاتب بالإشارة إلى أن الرئيس جو بايدن انسحب من أفغانستان بعد وقت قصير من توليه منصبه، وكانت النتيجة قاسية ومحزنة بالنسبة للأفغان. لكنه أضاف: "سوريا ليست أفغانستان".